«حلاة الثوب رقعته منه وفيه»

حكى لي أحد الأصدقاء، حين كان يعمل فيما مضى لدى احدى المؤسسات. بأنه ألحق مع عدد من زملائه المواطنين قبل أكثر من 10 أعوام إلى إحدى الدورات المتخصصة، والتي لا يتم إنجازها إلى بعد اجتياز سلسلة من الاختبارات والمقابلات ومن ثم الحصول على شهادة انجاز هذه الدورة التي تؤهل حاملها لمستقبل وظيفي مشرق.

وكانت من أهم المتطلبات الخاصة بهذه الدورة، بأن يشترك مع عدد من زملائه في اعداد مشروع (قابل للتنفيذ) يتعلق بمعالجة أي من التحديات التي تواجهها المؤسسة التي يعملون فيها. وفعلاً، اجتهد هو وزملائه في اعداد ذلك المشروع، وقاموا بجمع المعلومات، وعملوا سلسلة من الاستبيانات حتى توصلوا إلى حل عملي يعالج واحدة من اهم التحديات التي تواجهها المؤسسة التي يعملون بها. فقاموا بتسليم مشروعهم، ومن ثم تمت مناقشته مع لجنة متخصصة من الخبراء والأكاديميين، وتم اختيار ما قاموا به كأفضل مشروع قدم في هذه الدورة، وأن الجهة المنظمة لهذه الدورة اوصت للمؤسسة بأن هذا المشروع قابل للتنفيذ وبشكل فوري ولا يتطلب أي موازنة إضافية أو أية تكاليف لتنفيذه، لكون المواد موجودة والموظفين الذي ستحتاجهم المؤسسة موجودين هناك ايضاً، فقط المطلوب هو إعادة تنظيم بعض الإجراءات وإعادة توزيع المعدات، و وضع خطة عمل جديدة للموظفين الموجودين فعلاً هناك.

عاد صاحبنا هو وزملائه إلى عملهم بعد انجاز الدورة، وكلهم فخر بأن مشروعهم اختير كأفضل مشروع في هذه الدورة. واجتمع بهم المدراء والمسؤولين في المؤسسة وشكروهم على الجهود التي بذلوها في تلك الدورة. فتمضي الأيام، والشهور دون أن تقوم المؤسسة بتنفيذ ذلك المشروع بالرغم من أثاره الإيجابية المتوقعة. ولكن المفاجأة لصاحبنا وزملائه بأن المؤسسة تعاقدت مع شركة عالمية لدراسة نفس التحدي الذي أعدوا له مشروع تخرجهم من تلك الدورة، حيث طلب من تلك الشركة العالمية بأن تقدم حلول جذرية لذلك التحدي. ولقد دفع لتلك الشركة مبلغ ضخم فقط لوضع مقترح أو حل لذلك التحدي.

وفعلاً باشر الباحثون التابعون لهذه الشركة البحث عن جذور تلك المشكلة، وما هي الحلول القابلة للتنفيذ. وبعد عدة أسابيع، قدمت الشركة تقريراً مكتوباً سُلم إلى إدارة المؤسسة التي كان صاحبنا يعمل فيها. حيث توصلت الشركة العالمية التي تم الاستعانة بها إلى نتيجة مفادها بأن بعد دراسة مسببات تلك المشكلة وما هي الحلول القابلة للتنفيذ تبين للباحثين أن هناك مجموعة من الموظفين تقدموا بمشروع إلى إدارة المؤسسة وأن هذا المشروع هو الأفضل والانسب على الاطلاق لمعالجتها، والذي من المتوقع أن يحقق ذلك المشروع (في حال تنفيذه) نتائج إيجابية تعود بالنفع على المؤسسة وعلى جمهور المتعاملين معها. وبمجرد أن استلمت الإدارة ذلك التقرير، قامت بتنفيذ المشروع من اليوم التالي. وكانت النتائج الإيجابية واضحة منذ الساعات الأولى للتنفيذ!

كان تصرف الإدارة بالاستعانة بشركة عالمية غير مبرر على الاطلاق! ولكنه ينم عن عدم ثقة المسؤولين بالمبادرات التي يقدمها موظفوها، مع أن تلك المبادرة اختيرت من قبل جهة متخصصة بأنها أفضل مشروع قدم في تلك الدورة ونصحت بتنفيذه وأنه قابل للتنفيذ مباشرةً. إلا أن تلك المؤسسة آثرت أن تدفع مبالغ طائلة لشركة عالمية، التي لم يكن هناك أي مبرر للجوء إليها ولا لدفع تلك المبالغ، سوى أنها لم تثق بموظفيها. وربما كانت المؤسسة تتوقع من الشركة العالمية بأن تقدم مشروع ثوري عجز صاحبنا زملائه عن تقديم أي شيء مثله. ولكن، أكدت تلك الشركة العالمية بأن صاحبنا وزملائه قدموا المشروع الأفضل تماماً كما أكدت الجهة المنظمة لتلك الدورة.  ولكن كان الثمن باهظاً جداً بانهيار الثقة بين تلك المؤسسة وبين موظفيها، وخسارة المبالغ التي دفعتها المؤسسة للشركة العالمية فقط لتأتي بنتيجة مفادها بأن الحل موجود لديها وأمام أعينها. فـ «حلاة الثوب رقعته منه وفيه»!

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: