مسؤولية الالتزام بساعات العمل الرسمية: مسؤولية مشتركة على الموظف من جهة وعلى رب العمل من جهة أخرى!

يخيل إلى الكثيرين والأغلبية بأن واجب الالتزام بساعات العمل الرسمية تقع على الموظف أو العامل فقط. إلا أن هذا الأمر غير صحيح! كيف لا يعلم الناس ذلك؟ لأن الممارسة العملية كرست مفاهيم غير صحيحة في بيئة العمل. منها على سبيل المثال لا الحصر: الاعتقاد بأن ساعات العمل يتم تنظيمها من خلال جدول العقوبات في قانون أو لائحة الموارد البشرية التي تخضع له جهة العمل، ففي حال تأخر الموظف عن الحضور إلى مقر العمل، أو تغيب عن العمل بغير عذر أو انقطع عن العمل لفترات متصلة أو متقطعة خلال مدة زمنية معينة بغير عذر. فإن الموظف يتم معاقبته على ذلك بالعقوبة المقررة لكل حالة من تلك الحالات المذكورة. إلا أن جدول الجزاءات أو العقوبات الإدارية ليس الغرض منه تنظيم العلاقة الوظيفية بين الموظف مع رب عمله أو العكس، بل يبين العقوبات التي تتناسب مع كل فعل مخالف أو تصرف معاقب عليه.

القوانين والتشريعات واللوائح المنظمة للعلاقات الوظيفية ترد فيها مواد مفصلة يحدد فيها عدد ساعات العمل المقررة لكل يوم، ولكل أسبوع، بداية ساعات العمل الرسمية من الصباح وحتى المساء بالنسبة للموظفين الملتزمين بساعات عمل رسمية، أو حسب جدول المناوبات، مع شرح آلية اصدار هذه الجداول ومن له الصلاحية في إصدارها وعدد ساعات العمل الأسبوعية أو الشهرية التي يجب أن يؤديها الموظف لجهة عمله. وقواعد العمل الإضافي وضوابط ذلك.

أين مكمن الخلل؟

  • بعض المدراء يحاسبون موظفيهم على التأخير في الحضور إلى العمل، أو عند الخروج المبكر من مقر العمل، في الوقت الذي لا يلتزم فيه المدير والمقربين منه بالحضور مبكراً، أو يعفي نفسه أو لمن يرغب من بصمتي الحضور والانصراف، وخروجه أو الموظفين المفضلين لديه من مكان العمل في أي وقت يشاؤون.
  • هناك فئة من الموظفين انتاجيتهم عالية جداً، إلا أن ذلك لن يشفع لهم في حال حضر أحدهم في أحد الأيام متأخراً أو اضطر الخروج مبكراً من مكان العمل، لان بعض جهات العمل: إدخال بصمتي الحضور والانصراف في الأوقات المحددة أهم عندها من إنتاجية الموظفين لديها!
  • لا توجد قيود (حقيقية) محددة تمنع المدراء من التمادي في تكليف موظفيهم بمهام تمتد لخارج ساعات العمل الرسمية، أو تكليفهم بمهام خلال تمتعهم بإجازاتهم المقررة وربما استدعائهم منها بحجة (الظروف القاهرة أو الملحة) فقط لان المدير أراد ذلك! حيث جرى في عرف بعض الأشخاص وبعض الجهات بأن إرادة المدير تعد (أمر طارئ ومهم للغاية) حتى وإن تعارض ذلك مع أيَّة قوانين أو تشريعات معمول بها.
  • ارسال المهام والتكليفات والطلبات إلى الموظفين عبر منصات التواصل الاجتماعي المختلفة أو البريد الالكتروني الرسمي أو حتى الخاص! من بعض جهات العمل إلى موظفيهم قبل وبعد ساعات العمل الرسمية، أو خلال الاجازات الرسمية، أو خلال تمتع الموظف بإجازة معتمدة.

القواعد والحلول الذهبية:

  • ليست مسؤولية الموظف عدم توفر قوة عاملة كافية لسد احتياجات جهة العمل. بل هي مسؤولية مدرائها.
  • تحقيق اهداف جهة العمل، يجب ألا يكون على حساب الوقت الخاص للموظف.
  • واجب جهة العمل احترام القوانين والتشريعات السارية في الدولة. كذلك واجب جهة العمل إلى جانب تحقيق أهدافها المحددة لها، أن تحمي الحياة الاجتماعية للمجتمع الذي تعمل فيه وتخدمه، وعدم التأثير سلباً بشكل مباشر أو غير مباشر على الحياة الاجتماعية ومصالح المجتمع، يشمل ذلك احترام جهة العمل للوقت الخاص لموظفيها خارج ساعات العمل الرسمية و خلال الاجازات المقررة والمعتمدة لهم.
  • وقت العمل: هو الوقت المقرر لممارسة ساعات العمل الرسمية أو ممارسة أعمال المناوبة المقررة على الموظف.
  • وقت الموظف الخاص: هو الفترة السابقة لبداية ساعات العمل الرسمية المقررة (دوام رسمي أو مناوبة)، والفترة اللاحقة لنهاية ساعات العمل الرسمية أو المناوبة. وهو أيضاً أيام الاجازة الرسمية والمعتمدة والتي لا يوجد فيها أعمال مناوبة مقررة على الموظف، و أيام الاجازة الدورية أو السنوية أو الاجازات الشخصية الموافق عليها.
  • العمل الاضافي: هو الاستمرار في العمل بما يتجاوز ساعات العمل الرسمية ضمن الحدود والضوابط التي تضعها قوانين وسياسات ولوائح الموارد البشرية وقوانين العمل السارية. أو الحضور مبكراً إلى مكان العمل لأداء مهام العمل المقررة قبل بداية ساعات العمل الرسمية أو بداية المناوبة. بشرط عدم مخالفة الضوابط المقررة للعمل الاضافي في القوانين والسياسات واللوائح المشار إليها.
  • التزام الموظف بتسخير وقته لجهة عمله يكون: (1) كل وقته يكون مخصص للعمل بشكل كامل خلال ساعات العمل الرسمية أو خلال ممارسته لأعمال المناوبة المقررة عليه. (2) يكون التزام الموظف لجهة عمله في وقته الخاص بعدم مخالفة سياسات تضارب المصالح، وعدم ممارسة انشطة تضر بمصالح جهة العمل، وفي غير ذلك لا يوجد أي التزام على الموظف لجهة عمله خلال وقته الخاص.
  • تماما كما هو الحال بالنسبة لإلتزام الموظف بساعات العمل المقررة عليه، فإن جهة العمل ملزمة (بغياب أزمة حقيقية تهدد مكان العمل أو المصلحة العامة) بعدم تكليف الموظف بأعمال تتجاوز ساعات العمل المقررة وتعتدي على الوقت الخاص للموظف والمخصص لدعم حياته الاجتماعية التي لا يجوز المساس بها.
  • الظروف الملحة أو الاستثنائية أو الطارئة، يجب التعامل معها وفقاً لتسميتها: فلكونها استثنائية أو طارئة يجب أن تكون لوقت محدود فقط، لا أن يصبح الاستثنائي هو القاعدة العامة، وما هو طبيعي يصبح الاستثناء عليها! وقرار اعتبار المؤسسة تمر بظروف ملحة أو استثنائية أو طارئة يجب ألا يصدر من شخص بمفرده حتى وإن كان المسؤول الاول في المؤسسة؛ بل يجب أن يصدر بقرار من لجنة معنية بإعلان حالة الطواريء في المؤسسة للتعامل مع تلك الظروف بما يجيز زيادة ساعات العمل أو الاستدعاء من الاجازات و وقفها. كذلك، إعلان حالة الطواريء يجب ألا يكون مفتوح المدة، بل لمدة محددة قابلة للتجديد لمدد مماثلة بقرار من نفس اللجنة المشار إليها.
  • احترام ومراعاة قدسية وقت العمل يجب أن يساوي ولا يطغى على قدسية الوقت الخاص بالموظف. فالوقت الخاص بالموظف ليس كما يعتقد البعض بأنه لعب أو لهو، بل هو مسؤولية اجتماعية عظمى.
  • وضع آلية إقفال تلقائية لحواسيب العمل في حال تجاوز الموظف ساعات العمل الرسمية أو تكرار تجاوز عدد ساعات العمل الرسمية، مع توفير أداة لتجاوز هذا القيد بإدخال كلمة مرور بشكل مشترك بين الموظف ومديره المباشر للسماح بعمل الحاسوب لفترة تتجاوز ساعات العمل الرسمية. وفي حال استمرار قيامه بذلك بشكل روتيني ومنتظم، يجب أن يحول النظام الالكتروني وبشكل تلقائي اشعار إلى جهة محايدة لديها صلاحيات التحقيق عن أسباب عمل هذا الموظف بما يتجاوز ساعات عمله المقررة للتأكد من وجود ضرورة ملحة وحقيقية تتطلب ذلك، وما إذا كان قد تعرض الموظف لضغوط قاهرة وغير مبررة اجبرته على العمل بما يتجاوز ساعات العمل المقررة. ومن ثم اتخاذ الإجراءات التأديبية ضد من تعسف في حقه، في حال ثبوت ذلك. وتلغى آلية الإقفال التلقائية لحواسيب العمل بمجرد اعلان حالة الطواريء من اللجنة المختصة أو بصدور قرار من الدولة بشأن ذلك.
  • منع استخدام أي حواسيب في مقار العمل لا توجد فيها أدوات الاقفال المشار إليها أعلاه، أو أية أدوات تستخدم للتحايل على القيود المفروضة على اجبار الموظفين للعمل بما يتجاوز ساعات عملهم الرسمية، وتغليظ العقوبات لمن الزم موظفيه العمل باستخدام مثل هذه الحواسيب غير المعتمدة أو الأدوات المعدة للتحايل على القيود المشار إليها.
  • تَبَنِّي أدوات الذكاء الاصطناعي للرقابة على عدالة توزيع الأدوار على الموظفين بشكل متساوي، وعادل، مع منح الذكاء الاصطناعي صلاحية الابلاغ عن أي تجاوزات في هذا الشأن. واعتبار إبلاغات الذكاء الاصطناعي بحكم الشكوى الرسمية التي تتطلب التحقيق فيها من خلال لجنة تحقيق مستقلة.
  • وضع خطة زمنية بحيث تتحول عملية تقييم الأداء من المدراء، إلى الذكاء الاصطناعي، بحيث تكون تقييمات الأداء للجميع بشكل متساوي بين الرؤساء والمرؤوسين، تكون مبنية على الإنتاجية الحقيقية بعيداً على المؤثرات الشخصية التي تشوب تقييمات الأداء التي يضعها البشر.
  • من الضروري أن يتبنى المشرعون قوانين ولوائح وسياسات تمنع جهات العمل الاتصال أو ارسال مراسلات العمل قبل ساعات العمل الرسمية أو بعدها أو خلال الاجازات الرسمية أو خلال تمتع الموظف بإجازة موافق عليها. ويستطيع أرباب العمل من خلال أدوات التكنولوجيا ضبط عدم تسرب المراسلات خارج مقر العمل (إلى الحواسيب الشخصية أو الهواتف الخاصة بالموظفين) بعد ساعات العمل أو قبلها أو خلال الاجازات الرسمية أو خلال تمتع الموظف بإجازاته الموافق عليها. وتبين تلك القوانين واللوائح والسياسات الحالات التي تستثنى من ذلك.

العلاقات الوظيفية ليست عبودية، بل هي علاقة مصالح مشتركة بين أرباب العمل والموظفين أو العاملين بحيث يكون الجميع: أرباب العمل من جهة، والموظفين أو العاملين من جهة متساوين جميعاً في الحقوق والالتزامات، ويكون الجميع شركاء في تحقيق الاهداف.

أزمة هوية

صديقي العزيز، حينما تُطلق العنان للسانك متحدثًا باللغة الإنجليزية وكأنها لغتك الأم أمام زملائك أو رؤسائك أو مرؤوسيك، حين يكونون جميعاً أو معظمهم من الناطقين بالعربية، وأنت وهم جميعًا في بلد عربي. لا يدل ذلك على عبقريتك او على شدة ذكائك أو تفوقك المهني و الأكاديمي على الاخرين! بل يدل على أن لديك أزمة هوية مع لغتك الأم! فحينما تعجز عن التعبير أو التحدث بالعربية بطلاقة في بيئة عملك، وتبحث عن الآخرين ليكتبوا لك خطاب عربي رسمي لاحدى الجهات، وحين يرسل إليك أحد الزملاء رسالة عربية فترد عليه (خف علينا يا الفيلسوف!) اعلم بأنك ضائع وتائه! فالانجليزية ليست لغتك الأم إلا أنك تفرضها فرضاً على نفسك والآخرين؛ والعربية هي لغتك الأم: إلاّ أنك عققتها وهجرتها ولا عذر لك في ذلك. فحين تجبر نفسك على تعلم أي شيء آخر أو تدعي بأنك أجبرت على اللغة الانجليزية إجباراً، هذا يعني بأنك تستطيع بإرادتك تحسين لغتك العربية و تقويتها لكي تكون أفضل مما هي عليه الآن معك!

وطالما كانت الفرصة قائمة: قم واصلح ذات البين بينك وبين لغتك، التي هي في نهاية المطاف هويتك.

لا بأس من تعلم اللغات الاخرى والتفوق فيها؛ ولكن ليس على حساب لغتك الحقيقية.